حال الدنيا (2)

9 أبريل 2008

(1)

اعتاد بعض محترفي التصوير الضوئي الذهاب إلى الأماكن والأحياء الفقيرة لالتقاط صور لمظاهر الفقر والجوع التي تملكت ساكني تلك الأحياء.

أكاد أجزم لو أن أحداً من هؤلاء قصد حياً من الأحياء المترفة الغنية لوجد جوعاً من نوع آخر يستحق التصوير.

(2)

شعر بشيء من الخوف وهو يهم بتسلق ذلك الجبل الوعر الشديد الارتفاع، ولكن سرعان ما تبدد خوفه عندما أيقن أنه سيظفر بالمجد والعلياء بوصوله إلى القمة.

اكتشف بعد أيام طويلة من التسلق الشاق المضني أن لا قمة لذاك الجبل، فعاد أدراجه إلى السفح خائباً ونادماً على تركه لمسكنه هناك.

(3)

لم تكن معاركنا في قديم الزمان معتمدة على السلاح فقط، بل كان اعتمادنا الأكبر على أحبار الأمة الذين استطاعوا بجدهم وسعيهم بناء الحضارة.

من ضمن الأشياء التي تغيرت في أيامنا هذه أننا بسبب كثرة الحبر المتوفر لدينا بتنا نصدره إلى الخارج.

(4)

هب منتفضاً من نومه بكل نشاط وحماس، فاليوم هو أول أيامه كعامل منتج يكسب قوت يومه بتعبه وجهده، واليوم ستنتهي أيام الشقاء وسيبدأ بتحقيق أحلامه التي يطمح لتحقيقها أي شاب في عمره. فجأة أحس بقشعريرة تسري في جسده بعد أن سقطت قطرة ماء باردة على رأسه من سقف غرفته المتهالك كانت كفيلة بإيقاظه من أحلام اليقظة وتذكيره بأن راتبه لن يكفيه لسد حاجاته الأساسية، فما كان منه إلا أن عاد لنومه العميق فهو الوحيد القادر على تحقيق أحلامه.

(5)

وقفت مساءً أمام المرآة تمعن النظر في عينيها وتبحث عن ذلك البريق الذي طالما تحدث عنه الناس وسحروا به.

الغريب بالأمر أنها وفي نهاية بحثها لم تجد إلا بضع قطرات متلألأة بفعل الضوء النعكس عنها، عادة ما تعرف لدى العامة بالدمع.

حال الدنيا (1)

9 أبريل 2008

(1)

كانت القراصنة في قديم الزمان تبني منارات مزيفة على الجروف الصخرية القاسية قبالة الشواطئ، فكانت الحال بالسفن التجارية التي كانت تهتدي بهذه المنارات هي التحطم جراء اصطدامها بهذه الجروف الحادة، ومن ثم يأتي دور القراصنة في السطو على حمولة هذه السفن ونهبها..

إن الشيء الوحيد الذي تغير في أيامنا هذه هو أن ضوء هذه المنارات أصبح أكثر قوة ولمعاناً..أضأـــتنمت

(2)

معظمنا سمع بقصة عامل السكر الذي لم يجد في بيته شيئاً من السكر يكفي لصنع الشاي، فأطلق ضحكته المشهورة في آخر الليل، فعرفت قصته بعد ذلك بالضحك في آخر الليل..

ولكن لا أعتقد بأن أحداً سمع بقصة عامل المحروقات الذي قضى يومه الشتوي شديد البرودة متأملاً مدفأته المطفأة على أمل أن يتمكن من إشعالها في آخر النهار، ولكن انتظاره لم يدم طويلاً إذ أن البرد كان قد أطفئ هذا المسكين في آخر الليل، ولم يستطع أحد بعدها أن يعلم بقصته..الموت في آخر الليل.

(3)

تهللت أساريره حين رآها، كيف لا وقد وجد حبه الضائع الذي عانى طويلاً في رحلة البحث عنه، أصبح يلاحقها في كل الأمكنة حتى بات كظلها يسير خلفها أينما ذهبت ظناً منه أنها قد تدرك حبه العميق لها..مرت أيام وأشهر على هذه الحال..وفي النهاية أشفقت عليه ودعته للخروج والسير معها، لكنه أيقن عندما مشيا جنباً إلى جنب صعوبة الأمر، كيف لا وقد اعتاد على ملاحقتها والسير خلفها، لم يطق الوضع الجديد فما كان منه إلا أن تخلى عن حبه ورحل.

(4)

اعتاد الدراويش في زماننا أن يشعلوا ما توفر لهم من الشمع مع بداية كل ليلة، ظناً منهم أن ذلك قد يساعد في إنارة ليلهم المظلم، وفي الصباح كانوا يطفؤون ما تبقى من هذه الشموع بأصابعهم الممزوجة بشيء من اللعاب بعد أن تقطعت أنفاسهم ولم يبقى منها شيء وهم يحاولون طوال الليل اقناع مسؤولي الإنارة بأن ليالي الشموع الرومانسية التي فرضت عليهم لم تعد صالحة لهذا العصر وأنها قد ولت من زمن بعيد ومن غير رجعة.

(5)

لم يستطع أحد في دائرته الحكومية أن ينافسه في إخلاصه واجتهاده في عمله، وقناعته التامة على مدى سنوات طويلة بالعمل الذي يمارسه على الرغم من حياته البسيطة وراتبه المتواضع الذي كان يتلاشى مع اقتراب اكتمال القمر من كل شهر. إن ما جعله صابراً طوال تلك الفترة هي اقتناعه بأن القادم أفضل وأنه سينال الذي يستحقه في نهاية الأمر.

ولكنه تفاجىء في أحد الأيام بالقرار الصادر عن مديره العام والقاضي بإحالته إلى التقاعد مع أنه لم يبلغ السن القانونية للتقاعد بل تم اتخاذ هذا القرار تحت ذريعة اتاحة الفرصة للجيل الشاب من الموظفين للعمل والانتاج، هنا ثارت ثائرته وغلى الدم في عروقه لشدة غضبه وهمَّ وهو في هذه الحال بالذهاب إلى مكتب مديره العام ودخل عليه مزمجراً وصارخاً في وجهه، كان المدير العام في هذه الأثناء يطالع إحدى الصحف، تابع الموظف سلسلة صراخه المصحوبة بعرضه لقائمة الإنجازات والخدمات التي قدمها لهذه الدائرة فيما مضى وأنه أهدر عمره وأفناه في سبيل الارتقاء بأعمال الدائرة والوصول بها إلى أعلى المراتب، استمرت حالة الغضب التي اعترت الموظف قرابة النصف ساعة وعندما انتهى تنفس الصعداء بعد أن أفرغ كل ما في جعبته أمام مديره، وعندها فقط طوى المدير الصحيفة التي كان يقرأها وتوجه إلى الموظف مخاطباً إياه: “هل من خدمة؟”


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.